هشام جعيط

74

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

- 5 - تشابك المشاكل أشرنا حتى الآن إلى التقلبات التي طرأت على نشأة الكوفة وإلى الأسس التنظيمية التي ستعيش عليها . لكن ، ألا يتجاوز الفتح العربي للعراق مصير الكوفة ، إذا ما شرعنا في دراسة هذا المصر في خصوصيته وفي وجوده الهش كمدينة ؟ لا شك أن المأثرة العسكرية التي دامت خمس سنوات والتي انطلق منها العرب فخرجوا من الحجاز ونجد واليمن إلى طيسفون ، أعطت أكلها فكانت الكوفة وكانت البصرة أيضا . وكان من المحتمل أن يؤول الأمر إلى خيار آخر ، مثلا إلى انبثاث في السواد ، ريفي الطابع . لكن لا مناص من الاعتقاد أن فكرة الهجرة هي التي هيمنت على فتح العراق ، بصورة أوضح مما كان عليه الأمر بالشام ، وأن الاستقرار بالكوفة كان الغاية والمحرك للعمل العسكري . كان العرب يهدفون إلى احتلال مكانة الفرس بصورة محسوسة ، أكثر مما كانوا يهدفون إلى تحطيم الإمبراطورية الفارسية في العراق ، بوازع القوة « 1 » . واجتمع في الكوفة أكثر المقاتلة ، فبدت وكأنها نتيجة تمخضت عن الفتح إلى حد بعيد ، ذلك أن التسلسل من الفتح إلى الكوفة أقرب إلى الإدراك الفوري مما عليه في البصرة . بقي أن نطرح المشكل الذي ألمحنا إليه سابقا ، والمتعلق باختيار النموذج المدني كنمط للاستقرار بالعراق ، أي في الكوفة كما في البصرة . كان اختيارا كبير النتائج لتحكمه في بنية الحضارة العربية الإسلامية المرتقبة وفي التوسعية العربية كما في الأسلوب المضطرب الذي عاشته الكوفة . ذلك أن مفهوم المصر ينطبق بداية على مركز ذي اتجاه عسكري حدودي « 2 » ، لكنه يعني أيضا وبصورة لا تقل قيمة ، إقامة دائمة للسكن قابلة للتطور إلى مدنية « 3 » .

--> ( 1 ) راجع ما سبق ص 17 وما بعدها ، سمى العرب الفرس « الأسد » وسموا البيزنطيين « الأسيد » . روى الطبري هذه الكلمة مشوهة ، ونجت من التشويه عند ابن الأثير ، الكامل ، ج 2 ، ص 452 . ( 2 ) ابن منظور ، لسان العرب ، ج 5 ، ص 175 . ( 3 ) المعنى واضح عند البلاذري ، فتوح البلدان ، فهو يصف ما يطرأ من تحول من الحامية إلى المدينة حيث يصير لها -